المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نافذة إسلامية - الأسس الشرعية للفروع الإسلامية في البنوك التقليدية


السيولة
07-01-2007, 08:04 AM
نافذة إسلامية - الأسس الشرعية للفروع الإسلامية في البنوك التقليدية



لا ريب أن تسابق البنوك التقليدية إلى تقديم خدمات مصرفية إسلامية من أكبر الأدلة على نجاح تجربة الصيرفة الإسلامية، التي صارت تحقق نموا سنويا يقارب 23 %، في حين يبقى هذا النمو في الصيرفة التقليدية في حدود 7%، كما أن ذلك كله برهان ساطع على أن تطبيق الشريعة الإسلامية، ليس فقط ممكنا في كل مكان وزمان، بل مربح ومبارك في كل زمان ومكان، ألم يقل الله جل وعلا "يمحق الله الربا ويربي الصدقات".

ولهذا قام علماء الشريعة - وعلى رأسهم سماحة العلامة يوسف القرضاوي - بالترحيب بهذه الفروع الإسلامية في البنوك التقليدية، وأفتوا بإجازتها وإباحتها بشرط أن تلتزم بالأسس والضوابط الشرعية. وحينما أرادت بعض البنوك التقليدية في قطر أن تفتح فروعا إسلامية عرضت الأمر على فضيلة الأستاذ الدكتور علي القره داغي، فأرسل إليها - حسب ما أفادني فضيلته- الشروط والضوابط المطلوبة حيث لخصها في أربعة، وهي: 1) استقلالية الفرع ماليا وإداريا،2) وجود نظام يقر بهذه الاستقلالية من الجمعية العامة، 3) وجود هيئة للرقابة والفتوى الشرعية للإشراف على الالتزام بالأحكام الشرعية، 4) التعامل من خلال العقود والآليات الشرعية المقرة من هيئة الفتوى والرقابة الشرعية.

وفيما يلي وقفة مع أهم هذه الأسس الشرعية التي يجب أن تقوم عليها الفروع الإسلامية في البنوك التقليدية:

- أن تتجنب المحرمات، - وأن لا يختلط حلالها بحرام غيرها،- وأن تكون لها هيئة شرعية.

وقد كان المصرف المركزي في قطر حريصا على مصداقية الفروع الإسلامية فقام بإصدار تعليماته بما يضمن تطبيق هذه الأسس الشرعية كما سننقل في آخر المقال.

الأساس الأول: اجتناب المحرمات
الأساس الأول الذي يجب أن تقوم عليه الفروع الإسلامية أن تجتنب المحرمات في الشريعة الإسلامية شأنها في ذلك شأن البنوك الإسلامية.

وأكبر المحرمات المالية هو الربا، فقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) سورة البقرة:278،279 .

ولهذا يجب على هذه الفروع أن تجتنب الربا في تجميع الأموال، وفي تشغيل هذه الأموال وتوظيفها واستثمارها.

ولاجتناب ذلك يجب ألا تقوم هذه المعاملات على القرض بفائدة، فتجميع الأموال يكون عن طريق عقد المضاربة بين البنك والمودعين، والقرض الحسن في الحسابات الجارية، ويكون استثمار الأموال وتشغيلها عن طريق البيع والإجارة وغيرها من المعاوضات والمشاركات وصيغ الاستثمار الإسلامي.

وهناك محرمات أخرى يجب على الفروع الإسلامية اجتنابها، منها:

- الغرر والجهالة في العقود.

- بيع ما لا تملك بحيث يجب أن يكون التملك قبل التمليك، فيجب مثلا أن تشتري السلع أولا ثم تبيعها.

- التعامل في المحرمات كالخمور والسجائر وغيرها.

- بيع العينة، وهو بيع سلعة بالأجل، وإعادة شرائها بسعر أقل من مشتريها أو هو البيع الذي ترجع فيه العين المبيعة بالأجل إلى مالكها الأول بأقل من السعر الذي بيعت به.

- التحايل والغش.

الأساس الثاني: عدم اختلاط أموالها بأموال البنك التقليدي
بما أن الفروع الإسلامية هي فروع للبنوك التقليدية، فيجب ألا تختلط أموال وأرباح الفرع الإسلامي بأموال وربا البنك التقليدي. وحتى يتحقق ذلك لابد أن تكون مستقلة ماليا ومحاسبيا وإداريا عن البنك التقليدي.

والاستقلال المالي:
يتحقق بأن تكون لها مصادر أموال مستقلة عن البنك التقليدي، وهذا يتحقق بأن تكون لها ودائع وحسابات خاصة بها، بحيث تستقبل أموال المودعين عن طريق عقد المضاربة الشرعية، ولا تكون لها علاقة بودائع البنك التقليدي المربوطة عن طريق الربا، كما أن أموال المساهمين التي تستخدمها يجب أن تكون جزءا من رأس المال بقيمته الاسمية، أي بدون أن تضاف إليه الفوائد المتراكمة، وهو ما يسمى بالقيمة الدفترية. وبهذا الاستقلال المالي تكون أموال الفروع الإسلامية حلالا لا شبهة فيها. وهنا أحب أن أقول إن الشخص العادي الذي عنده أموال إذا استثمر جزءا من أمواله في الحرام كالربا والسجائر والجزء الآخر في الحلال كالمتاجرة في السيارات، فلا يحرم أن أتعامل في الحلال وأشتري منه سيارة، وإنما يحرم أن أتعامل معه في الاستثمار المحرم فقط.

وأما الاستقلال المحاسبي:
فيجب أن تكون حسابات الفروع الإسلامية وحسابات عملائها مستقلة عن حسابات البنك التقليدي وحسابات عملائه، وذلك حتى لا تختلط أموالها بأموال غير مشروعة. والاستقلال المحاسبي صار الآن سهلا عن طريق الأنظمة الحاسوبية. ولهذا فوجود ميزانية خاصة بالفرع أمر ميسور، بحيث تستقل بأصولها وموجوداتها وخصومها وتستقل بإيراداتها ومصاريفها.

وأما الاستقلال الإداري:
فيجب على الفروع الإسلامية أن تكون لها عقود ونماذج عمل وآليات تنفيذ خاصة بها معتمدة من الهيئة الشرعية، كما ينبغي أن تكون لها إدارة مستقلة لها موظفون يتبعون مباشرة لها، بحيث تستطيع أن تشرف على تحقيق الاستقلال المالي والمحاسبي، وتشرف على إدارة الفرع الإسلامي، ولا مانع أن تتبع هذه الإدارة إلى جهات إدارية أخرى أعلى في البنك التقليدي، ما دامت المعاملات تنفذ داخل الفرع الإسلامي بالضوابط الشرعية.

الأساس الثالث: وجود هيئة شرعية
يقول الله تعالى:" فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، ويقول: "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب"، ففي الآية الأولى أوجب سؤال أهل الذكر والاختصاص على من لا يعلم، وفي الآية الثانية حرم على من لا يعلم أن يقول على الله بما لا يعلم. ولهذا يجب على المؤسسات المالية الإسلامية أن تسأل أهل العلم بالفقه في المعاملات والمستجدات المصرفية، ويحرم عليها أن تفتي نفسها بنفسها.

ولهذا لا تتحقق إسلامية الفروع الإسلامية -شأنها في ذلك شأن البنوك الإسلامية- إلا بشرط وجود هيئة فتوى ورقابة شرعية، تقوم بإفتاء البنك بما يحل وما يحرم من المعاملات المصرفية، وتقوم بمراقبة أنشطة الفرع الإسلامي للحكم على مدى توافقها مع الضوابط الشرعية للمعاملات، ولا غنى للهيئة للقيام بنشاطها الرقابي عن وجود جهاز مراقبين شرعيين داخليين يدققون في المعاملات، ويرفعون ملاحظاتهم إلى الهيئة للحكم عليها.

إشراف المركزي على الفروع الإسلامية
وقد قام المصرف المركزي القطري بإصدار تعليمات واضحة ومفصلة تضمن تحقيق هذه الأسس، استغرقت خمس صفحات ضمنها الطبعة الثامنة من كتاب تعليماته للبنوك.

ومن هذه التعليمات الملزمة للبنوك التقليدية التي تريد أن تفتح فروعا إسلامية:

- تكوين لجنة شرعية من المتخصصين للإشراف على أعمال الفرع أو الفروع من الناحية الشرعية.

- إيجاد تنظيم إداري للفرع يتضمن مديرا وإدارات أو أقساما تنفيذية مؤهلة ومدربة وذات خبرة في الخدمات المالية الإسلامية.

- الفصل المحاسبي بين الفرع والبنك بإيجاد قسم محاسبة وسجلات ونظام محاسبي مستقل للفرع ومستندات قيد وأوراق ثبوتية مستقلة يستخرج مها مركز مالي وحسابات مصروفات وإيرادات مستقلة دون وجود أي خلط مع حسابات البنك الأخرى.

- التأكد من وجود العقود والأوراق الثبوتية اللازمة الخاصة بالتعاملات المختلفة للفرع مع العملاء والغير، وأن تكون مستوفاة من الناحية القانونية، وكذلك من الناحية الشرعية من هيئة الرقابة الشرعية.

وبهذا يظهر أن الفروع الإسلامية تخضع لنفس الضوابط التي تخضع لها البنوك الإسلامية، وتزيد عليها ضوابط أخرى لمزيد من الشرعية والمصداقية، وتخضع في نفس الوقت لرقابة صارمة من مصرف قطر المركزي، كما تخضع لفتاوى ملزمة ورقابة مستمرة من هيئة الفتوى والرقابة الشرعية.

وبهذه الأسس تتحقق المشروعية اللازمة للفروع الإسلامية للبنوك التقليدية، وتصبح في الحقيقة بنكا داخل بنك، لطابعها المستقل عن البنك التقليدي، ولهذا أفتى العلماء - وعلى رأسهم سماحة العلامة يوسف القرضاوي - بجواز التعامل معها، ووافق سماحته على رئاسة الهيئة الشرعية للفروع الإسلامية لبنك قطر الوطني.

بل يمكن القول إن التعامل مع هذه الفروع الإسلامية يعتبر دعما لها، الأمر الذي ينعكس إيجابا على العمل المصرفي الإسلامي عموما، وفي البنك التقليدي خصوصا، مما قد يترتب عليه تحول البنك التقليدي كاملا إلى الالتزام بالشريعة الإسلامية، وهذا ما حدث مثلا في البنك الأهلي السعودي، حيث تم استحداث خدمات مصرفية إسلامية فيه، وفي مدة قليلة صارت نسبتها الأكبر في تعاملات البنك، مما ترتب عليه قيام البنك بالتحول التدريجي إلى المعاملات المصرفية الإسلامية.

إعداد: محمد أحمين
باحث في المعاملات المالية